الاجتماعيات: مكون التاريخ • السنة الثانية باكالوريا

أوروبا من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى أزمة 1929م

I. تمهيد وإشكالية

خرجت أوروبا من الحرب العالمية الأولى (1914-1918) مدمرة ومنهكة، وشهدت تغييرات جذرية في خريطتها السياسية وأوضاعها الاقتصادية. ولم تكد تسترجع أنفاسها حتى اصطدمت بـ الأزمة الاقتصادية الكبرى لسنة 1929 التي هزت أركان النظام الرأسمالي ومهدت لظهور الأنظمة الديكتاتورية.

الإشكالية المحورية:
  • ما هي النتائج المباشرة للحرب العالمية الأولى على أوروبا؟
  • كيف تغيرت الخريطة السياسية للقارة العجوز؟
  • ما هي أسباب ومظاهر أزمة 1929؟ وكيف واجهتها الدول الرأسمالية؟

II. نتائج الحرب العالمية الأولى (البشرية والاقتصادية)

1. الخسائر البشرية (النزيف الديمغرافي)

خلفت الحرب كارثة بشرية غير مسبوقة:

  • أكثر من 10 ملايين قتيل و20 مليون جريح ومعطوب.
  • انتشار الأوبئة (الإنفلونزا الإسبانية) والمجاعات.
  • تراجع نسبة السكان النشيطين (القوى العاملة) وارتفاع نسبة الشيخوخة والإناث، مما أثر سلباً على الإنتاج.

2. الخسائر الاقتصادية

  • تدمير المصانع وشبكات المواصلات والأراضي الزراعية في مناطق القتال (خاصة شمال فرنسا).
  • تراكم الديون الخارجية على الدول الأوروبية (خاصة لصالح الولايات المتحدة).
  • تراجع الدور الاقتصادي لأوروبا عالمياً لصالح قوى جديدة صاعدة: الولايات المتحدة الأمريكية واليابان.

III. النتائج السياسية: خريطة أوروبا الجديدة

1. مؤتمر الصلح بباريس (1919) والمعاهدات المفروضة

فرضت الدول المنتصرة "الأربعة الكبار" (فرنسا، بريطانيا، أمريكا، إيطاليا) شروطاً قاسية على الدول المنهزمة:

  • معاهدة فرساي (28 يونيو 1919): فُرضت على ألمانيا، ونصت على اقتطاع أراضيها (الألزاس واللورين لفرنسا)، تقليص جيشها إلى 100 ألف جندي، تجريد منطقة الراين من السلاح، وفرض غرامات مالية باهظة (التعويضات). اعتبرها الألمان "إملاءً" (Diktat) وظلماً.
  • معاهدة سان جرمان (1919): فُرضت على النمسا ونصت على فصلها عن المجر وتقليص مساحتها.

2. التحولات الترابية والسياسية

  • سقوط الإمبراطوريات التقليدية الأربع: النمساوية-المجرية، العثمانية، الروسية، والألمانية.
  • ظهور دول قومية جديدة: بولونيا، يوغوسلافيا، تشيكوسلوفاكيا، فنلندا، دول البلطيق.
  • تأسيس عصبة الأمم بدعوة من الرئيس الأمريكي "ويلسون" للحفاظ على السلم العالمي، لكنها كانت أداة في يد الدول المنتصرة وافتقرت للقوة العسكرية.

IV. أزمة 1929: الأسباب والمظاهر

1. انطلاق الأزمة (الخميس الأسود)

انطلقت الأزمة من الولايات المتحدة الأمريكية يوم الخميس 24 أكتوبر 1929، حيث انهارت أسعار الأسهم في بورصة "وول ستريت" بنيويورك بسبب المضاربات وفائض العرض.

2. أسباب الأزمة

  • تفاوت نمو القطاعات: ازدهار الإنتاج الصناعي مقابل ضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
  • فائض الإنتاج: تراكم السلع دون وجود أسواق لتصريفها.
  • المضاربات المالية: ارتفاع أسعار الأسهم بشكل مصطنع لا يعكس الواقع الاقتصادي للشركات.

3. انتشار الأزمة عالمياً

انتقلت الأزمة من أمريكا إلى باقي العالم (باستثناء الاتحاد السوفياتي) عبر القنوات التالية:

  • سحب الرساميل الأمريكية من الأبناك الأوروبية (خاصة ألمانيا والنمسا).
  • تراجع استيراد أمريكا للمواد الأولية، مما ضرب اقتصاديات المستعمرات والدول النامية.
  • نهج الدول لسياسة "الحماية الجمركية"، مما أدى إلى تراجع التجارة الدولية.

V. طرق مواجهة الأزمة (النماذج)

النموذج الديمقراطي: الخطة الجديدة (New Deal)

طبقها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ابتداءً من 1933، وتقوم على تدخل الدولة في الاقتصاد:

  • مراقبة الأبناك والبورصة.
  • تقديم تعويضات للفلاحين لتخفيض الإنتاج.
  • إنجاز مشاريع عمومية كبرى (سدود، طرق) لتشغيل العاطلين.
  • إقرار الحماية الاجتماعية (التقاعد، التأمين).

النموذج الديكتاتوري (ألمانيا النازية)

واجهت ألمانيا الأزمة بنهج سياسة قوية وموجهة:

  • إطلاق صناعة التسلح لتشغيل العاطلين.
  • التوسع الجغرافي للبحث عن "المجال الحيوي" والموارد.
  • السيطرة الكاملة للدولة على الإنتاج والاستهلاك.

VI. المفاهيم الأساسية

مؤتمر الصلح: المؤتمر الذي انعقد في باريس سنة 1919 بحضور الدول المنتصرة، لصياغة معاهدات السلم وإعادة رسم خريطة العالم.
معاهدة فرساي: أشهر معاهدات الصلح، فُرضت على ألمانيا سنة 1919، وتضمنت شروطاً قاسية (ترابية، عسكرية، مالية) اعتبرها الألمان إذلالاً لهم.
عصبة الأمم: منظمة دولية تأسست سنة 1919 بموجب اقتراح الرئيس ويلسون، هدفها الحفاظ على السلم العالمي وحل النزاعات بالطرق السلمية.
الخطة الجديدة (New Deal): مجموع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي طبقها الرئيس روزفلت في أمريكا لمواجهة أزمة 1929، وتقوم على تدخل الدولة في الاقتصاد.

VII. الأعلام التاريخية

وودرو ويلسون
(1856-1924) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، صاحب "المبادئ الأربعة عشر" التي دعا فيها لحق الشعوب في تقرير المصير وإنشاء عصبة الأمم.
فرانكلين روزفلت
(1882-1945) رئيس الولايات المتحدة، الوحيد الذي انتخب 4 مرات. واجه أزمة 1929 بـ"الخطة الجديدة" وقاد بلاده خلال الحرب العالمية الثانية.
بنيتو موسوليني
(1883-1945) مؤسس الفاشية في إيطاليا، وصل إلى السلطة سنة 1922، وأقام نظاماً ديكتاتورياً شمولياً.
أدولف هتلر
(1889-1945) زعيم الحزب النازي، وصل إلى حكم ألمانيا سنة 1933، وعمل على نقض معاهدة فرساي، وتسبب في اندلاع الحرب العالمية الثانية.

VIII. تمرين تطبيقي

الوثائق

الوثيقة 1 (لوحة إحصائية)

تطور مؤشر الإنتاج الصناعي (الأساس 100 في 1929):

الدولة / السنة 1929 1932
الولايات المتحدة 100 54
ألمانيا 100 53
فرنسا 100 72
الوثيقة 2 (نص تاريخي)

«يجب على الدولة أن تتدخل لإعادة التوازن... إن واجبنا الأول هو تشغيل الناس... ويمكننا تحقيق ذلك عن طريق تجنيدهم لإنجاز الأشغال الكبرى، تماماً كما لو كنا في حالة حرب...»
— خطاب تنصيب الرئيس روزفلت، 1933

الأسئلة

  1. الوصف: صف من خلال الجدول تطور الإنتاج الصناعي بين 1929 و1932 في الدول المذكورة.
  2. التفسير: فسّر تراجع الإنتاج في كل من ألمانيا وفرنسا رغم أن الأزمة انطلقت من أمريكا.
  3. التحليل: استخرج من الوثيقة 2 الحل الذي اقترحه روزفلت لمواجهة الأزمة، والهدف الاجتماعي منه.
  4. التركيب: استنتج دور أزمة 1929 في تغيير دور الدولة في الاقتصاد (من الدولة الحارسة إلى المتدخلة).

IX. ملخص الدرس

خلاصة عامة:

خلال فترة ما بين الحربين، عاشت أوروبا مخاضاً عسيراً. فمن جهة، خلفت الحرب العالمية الأولى دماراً شاملاً وخريطة سياسية مفروضة (معاهدة فرساي) ولّدت الرغبة في الانتقام. ومن جهة أخرى، جاءت أزمة 1929 الاقتصادية لتقضي على آمال الاستقرار، دافعة الشعوب إلى اليأس والارتماء في أحضان الأنظمة الديكتاتورية (النازية، الفاشية).

في حين نجحت الديمقراطيات الغربية (مثل أمريكا مع روزفلت) في تجاوز الأزمة عبر إصلاحات اقتصادية، اختارت الأنظمة التوتاليتارية طريق التسلح والتوسع، مما قاد العالم حتماً نحو حرب عالمية ثانية.