الاجتماعيات: مكون التاريخ (المجزوءة الثانية)

نضال المغرب من أجل تحقيق الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية

I. تمهيد وإشكالية

بعد توقف المقاومة المسلحة، دخل المغرب مرحلة النضال السياسي عبر الحركة الوطنية التي طالبت في البداية بالإصلاحات، ثم انتقلت للمطالبة بالاستقلال مستغلة الظروف الدولية والداخلية. توج هذا المسار بحصول المغرب على استقلاله سنة 1956، لتبدأ بعدها معركة استكمال الوحدة الترابية وبناء الدولة الحديثة.

الأسئلة المحورية:
• كيف نشأت الحركة الوطنية وما هي مراحل تطور مطالبها؟
• ما هي الظروف التي عجلت بحصول المغرب على الاستقلال؟
• وما هي المراحل التي مر منها استكمال الوحدة الترابية للمملكة؟

II. نشأة الحركة الوطنية والمطالبة بالإصلاحات (1930-1939)

1. ظروف النشأة ووسائل العمل

  • الظهير البربري (16 ماي 1930): أصدرته السلطات الفرنسية للتفريق بين العرب والأمازيغ في القضاء، فكان الشرارة التي فجرت "الحركة الوطنية" بالمدن، حيث انطلقت المظاهرات وتلاوة "اللطيف".
  • كتلة العمل الوطني (1933): أول حزب سياسي مغربي أسسه شباب مثقف (علال الفاسي، محمد بن الحسن الوزاني).
  • وسائل العمل: اعتمدت الحركة الوطنية أساليب سلمية عصرية:
    • الصحافة (جريدة "عمل الشعب"، "L'Action du Peuple").
    • المدارس الحرة (تلقين العربية والتربية الوطنية).
    • الجمعيات والنوادي الثقافية ومقاطعة البضائع الفرنسية.

2. برنامج المطالبة بالإصلاحات (1934)

قدمت كتلة العمل الوطني "برنامج الإصلاحات المغربية" إلى السلطات الفرنسية والمخزن، ولم تطالب فيه بالاستقلال بل طالبت بـ:

  • إدارياً: احترام بنود معاهدة الحماية، إلغاء الحكم المباشر، وتكوين حكومة مغربية.
  • اجتماعياً: تعليم المغاربة، محاربة البطالة، وإنشاء المستشفيات.
  • اقتصادياً: المساواة في الضرائب بين المغاربة والأجانب، ووقف تفويت الأراضي للمعمرين.

رد فعل فرنسا: تجاهلت هذه المطالب وقامت بقمع واعتقال زعماء الحركة الوطنية وتهميشهم، مما قوى القناعة بضرورة تغيير النهج.

III. من المطالبة بالاستقلال إلى تحقيقه (1944-1956)

1. سياق التحول للمطالبة بالاستقلال

ساهمت عدة عوامل (داخلية وخارجية) في انتقال الحركة الوطنية من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال:

  • خارجياً:
    • دخول فرنسا الحرب العالمية الثانية وهزيمتها أمام ألمانيا (1940) مما أضعف هيبتها.
    • صدور "الميثاق الأطلسي" (1941) الداعي لحق الشعوب في تقرير المصير.
    • لقاء آنفا (يناير 1943): حصل فيه السلطان محمد الخامس على وعد من الرئيس الأمريكي "روزفلت" بدعم استقلال المغرب.
  • داخلياً: تأسيس "حزب الاستقلال" وتقديم "وثيقة المطالبة بالاستقلال" في 11 يناير 1944، بتنسيق مع السلطان.

2. ثورة الملك والشعب (1953)

  • الأزمة: توطدت العلاقة بين السلطان محمد الخامس والحركة الوطنية (خطاب طنجة 1947)، فرفض السلطان توقيع الظهائر الفرنسية، مما دفع الإقامة العامة إلى تدبير مؤامرة لنفيه بمساعدة بعض القياد المتعاونين (الباشا الكلاوي).
  • النفي (20 غشت 1953): نفت السلطات الفرنسية السلطان وأسرته إلى كورسيكا ثم مدغشقر، ونصبت "محمد بن عرفة" سلطاناً صورياً.
  • الكفاح المسلح: اندلعت المظاهرات العارمة والعمليات الفدائية (محاولة اغتيال بن عرفة من طرف علال بن عبد الله، عمليات محمد الزرقطوني)، وتأسس "جيش التحرير" في الشمال.
  • الاستقلال: اضطرت فرنسا للتفاوض (مفاوضات "إيكس ليبان" 1955)، وتم الاتفاق على عودة السلطان (نونبر 1955) وإلغاء معاهدة الحماية، ليحصل المغرب رسمياً على استقلاله في 2 مارس 1956.

IV. مراحل استكمال الوحدة الترابية (بعد 1956)

حصل المغرب على استقلاله ناقصاً، فنهج أسلوباً سلمياً ودبلوماسياً لاسترجاع باقي المناطق المحتلة:

1956: استرجاع واستقلال المنطقة السلطانية والمنطقتين الخليفيتين (الشمال) ومنطقة طنجة الدولية.
1958: استرجاع منطقة طرفاية بعد مفاوضات مع إسبانيا.
1969: استرجاع مدينة سيدي إفني.
1975: تنظيم المسيرة الخضراء المظفرة (6 نونبر) التي أبدعها الملك الحسن الثاني، مما أدى لانسحاب إسبانيا واسترجاع الساقية الحمراء.
1979: استرجاع إقليم وادي الذهب بعد تقديم قبائل المنطقة للبيعة، لتكتمل الوحدة الترابية للمملكة بالأقاليم الجنوبية.

V. المفاهيم والمصطلحات الأساسية

الظهير البربري (1930): مرسوم قانون أصدرته سلطات الحماية الفرنسية لجعْل العدالة في المناطق الأمازيغية خاضعة للأعراف والمحاكم الفرنسية بدل الشرع الإسلامي، بهدف بث التفرقة بين مكونات الشعب المغربي.
الحركة الوطنية: تيار سياسي منظم ظهر في المدن المغربية في الثلاثينات، قاده شباب مثقف، وهدف إلى مواجهة المخططات الاستعمارية وتوعية الشعب، وانتقل من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال.
وثيقة الاستقلال (11 يناير 1944): عريضة قدمها حزب الاستقلال للسلطات الفرنسية والمخزن والسفارات الأجنبية، تطالب بإلغاء نظام الحماية وإعلان استقلال المغرب ووحدته الترابية.
المسيرة الخضراء (1975): مسيرة شعبية سلمية ضخمة (350 ألف مشارك) دعا إليها الملك الحسن الثاني للضغط على إسبانيا واسترجاع الصحراء المغربية سلمياً.

VI. أعلام تاريخية

محمد الخامس
(1909-1961) سلطان المغرب وبطل التحرير. قاد الأمة نحو الاستقلال بتعاونه الوثيق مع الحركة الوطنية. فضل النفي على المساومة بكرامة البلاد وسيادتها.
الحسن الثاني
(1929-1999) ملك المغرب، واصل جهود بناء الدولة الحديثة واستكمال الوحدة الترابية، وهو مبدع "المسيرة الخضراء" التي مكنت من استرجاع الصحراء.
علال الفاسي
(1910-1974) زعيم سياسي ومفكر سلفي، من مؤسسي كتلة العمل الوطني وزعيم حزب الاستقلال. لعب دوراً محورياً في توجيه الحركة الوطنية.
محمد الزرقطوني
(1927-1954) رمز المقاومة الفدائية بالمدن. قاد خلايا المقاومة المسلحة بالدار البيضاء بعد نفي السلطان، واستشهد مفضلاً الموت على إفشاء أسرار المقاومة.

VII. تمرين تطبيقي

الوثائق (1/4)

الوثيقة 1: مقتطف من وثيقة المطالبة بالاستقلال

"... وبما أن نظام الحماية... قد حاول بشتى الوسائل تحطيم الوحدة المغربية ومنع المغاربة من المشاركة الفعلية في تسيير بلادهم... فإن حزب الاستقلال يقرر: المطالبة باستقلال المغرب ووحدة ترابه تحت رعاية جلالة الملك سيدي محمد بن يوسف..."

الوثيقة 2: مقتطف من خطاب العرش (1955)

"... وإذا كان هذا الاستقلال حدّا لنظام عهد الحماية، فإنه يعتبر بداية عهد جديد... ومرحلة لتشييد صرح مغرب حر موحد، يتمتع بسيادته الكاملة..." (خطاب محمد الخامس بعد العودة من المنفى)

الأسئلة

  1. ضع الوثيقتين في سياقهما التاريخي (الزمن، المكان، الحدث).
  2. استخرج من الوثيقة 1 المبررات التي اعتمدتها الحركة الوطنية للمطالبة بالاستقلال.
  3. بين انطلاقا من الوثيقة 2 المهمة التي تنتظر المغرب بعد الحصول على الاستقلال.
  4. اربط بين الحدثين (تقديم الوثيقة والعودة من المنفى) مبرزاً أثر ثورة الملك والشعب في تحقيق الاستقلال.

VIII. ملخص الدرس

خلاصة:

مر كفاح المغرب من أجل الاستقلال بمرحلتين أساسيتين: مرحلة المطالبة بالإصلاحات (فترة الثلاثينات) التي واجهتها فرنسا بالتعنت، ومرحلة المطالبة بالاستقلال (منذ 1944) التي توجت بثورة الملك والشعب (1953) وعودة السيادة الوطنية (1956).

لم يتوقف النضال عند سنة 1956، بل واصل المغرب مسيرته لاستكمال وحدته الترابية عبر استرجاع المناطق الجنوبية (طرفاية، سيدي إفني، الساقية الحمراء، وادي الذهب) معتمداً نهجاً سلمياً ودبلوماسياً حكيماً.